ads

Bookmark and Share

الجمعة، 12 فبراير 2021

122 أمة إزاء أمة!

أمة إزاء أمة!

بقلم: د. يونان لبيب رزق

الأهرام الخميس 21 مارس 1996م - 2 ذى القعدة 1416هـ


في سبتمبر عام 1898 وقف العالم كله على أطراف قدميه وقد أخذت الأبصار تنتقل بين بقعة نائية في جنوب السودان وبين سائر العواصم الأوروبية، لندن، باريس، بطرسبورج، برلين، فقد بدت الأمور وكأنها تسير إلى حرب أوروبية وشيكة، لا تلبث أن تتحول إلى حرب عالمية أولى كان يمكن أن تنشب قبل موعدها بستة عشر عامًا.

وقفت الأهرام مع العالم على أطراف قدميها وكان أو ما فعله "صاحب امتياز الجريدة ومدير سياسته بشرة باشا تقلا" أن استقل أول "وابور" يقلع من الإسكندرية إلى أقرب ساحل أوروبى ومنه إلى العاصمة الفرنسية، فالعاصمة البريطانية ليكون قريبًا من موقع الأزمة وشاهدًا على تطوراتها التي اتخذت شكلا دراميًا، وقد تعالت فيها طبول الحرب، ومن العاصمتين الكبيرتين أخذ يوالى الأهرام بتقاريره".

البقعة النائية في جنوب السودان هي مركز فاشودة الذى يبعد 600 كيلو متر عن الخرطوم "وكانت من قبل مجهولة الاسم ولكننا كنا نتوقع لها ما نالته اليوم من شهرة لوقوعها قرب مصب بحر الغزال والنيل الأبيض أي حيث دائرة رحى الاستعمار الإفريقى "على حد تعبير الرجل" والذى أعرب عن أمله ألا تزداد شهرتها إذا ما تحولت الأزمة إلى صدام عسكرى!

العقدة الدرامية التي بدت في هذه البقعة نتجت عن المواجهة بين قوة فرنسية صغيرة يقودها "القومندان مارشان" وتتألف من ثمانية ضباط أوروبيين ومائة جندي سنغالى، وكانت قد سبقت إلى فاشودة حيث رفعت العلم الفرنسي على مبنى حكومي قديم كانت قد أقامته مصر خلال فترة حكمها السابق للسودان، وقوة كبيرة تقدمت من الخرطوم إلى الجنوب بعد إسقاط الدولة المهدية وبعد أن ترامى إلى أسماع المسئولين خبر وصول القوة الفرنسية.

القوة الكبيرة كانت بقيادة سردار الجيش المصرى كتشنر باشا وصلت إلى فاشودة تقلها خمس بواخر نهرية كبيرة، وكنت تتشكل من 1200 عسكرى من الجيش المصرى و100 جندي من أورطة كرمون هايلندرس الإنجليزية مع بطاريتين من المدافع الجبلية وعدد من مدافع مكسيم. وبكل المقاييس العسكرية كان مفهومًا أن قوة السردار تستطيع بسهولة أن تنظف المنطقة من القوة الفرنسية، ولكن الأمر كان أكبر من ذلك كثيرًا، وهو ما جعل العالم يقف على أطراف قدميه!

عبر تقلا باشا في رسائله التي أخذ يبثه إلى الأهرام من باريس ولندن عن تلك الحقيقة بقوله "أن الجنرال كتشنر ليس بإزاء مارشان في فشودة رجلا بإزاء رجل ولا جيشًا عظيمًا بإزاء حملة صغيرة ولكن أمة بإزاء أمة وكلتا الأمتين في طليعة العالم المتمدن"، ولعل مدير الأهرام كان يقصد في طليعة العالم الاستعمارى!

ومن هذه الحقيقة التي سجلتها جريدتنا اكتسبت حادثة فاشودة أهميتها، وهى الأهمية التي أدخلتها تاريخ العلاقات الدولية من جانب وتاريخ الاقتسام الإمبريالى لأفريقيا من جانب آخر، وأخيرًا التاريخ المصرى.

ومع أن كتابات ضافية قد تناولت هذه الحادثة، وصلت إلى حد وضع الأطروحات العلمية، غير أن هذا التناول قد شابُه وجهان من وجوه القصور، أولهما، غياب متابعة ردود الفعل المصرية على الحادث مع أن القاهرة كانت أحد أطرافه الأصلية، وثانيهما، افتقاد حرارة المتابعة اليومية رغم سخونة الموقف، وهو ما نلمسه من الاطلاع على أعداد الأهرام التي تناولته، وهى سخونة كادت تحرق أصابع قراء الجريدة في تلك الشهور الحارة من خريف عام 1898!

وعلى هذا النحو فالأمر يستحق أن نتابع القصة مع هؤلاء..

***

قبل تفجر الأزمة بنحو تسعة شهور وفى مطلع العام وعندما شرعت الحكومتان المصرية والبريطانية في إرسال الحملة الموجهة إلى السودان انتشرت التكهنات في العاصمة المصرية أن سببًا أساسيًا وراء القرار بالحملة ما شاع من أخبار عن توجه قوة فرنسية إلى فاشودة، في يوم 2 يناير عبرت الأهرام عن ذلك بقولها "أن فريقًا من الناس يظنون أن وصول الحملات الفرنسوية إلى فاشودة وتوهم سبقها لعساكرنا وعساكر الإنكليز في السودان هما اللذان أوجبا إرسال الحملة".

تكشف جريدتنا بعد ذلك قصة غريبة لم ينشرها غيرها، ومع إنه لم يوجد لها دليل سواء في أوراق الخليفة أو في الوثائق البريطانية غير أنها تستحق التسجيل..

القصة تقول أن عامل الخليفة عبد الله في كردفان، والذى تقع فشودة في دائرة إدارته قد أرسل إلى أم درمان ما يفيد بأنه قد وردته أنباء أكيدة من طريق بحر لغزال بأن الفرنسيين قد دخلوا تخومها من جهة الجنوب، وإلى هذا والقصة صحيحة، ما جاء بعد ذلك هو الغريب..

فقد قالت الأهرام "إن رجل الحملة المصرية - الإنكليزية كتبوا إلى الختم موسى يقولون إن الحربية المصرية تموله بمال وذخيرة فيتقدم نحو الجنوب لمقاومة كل أبيض يدخل إلى حدود بحر الغزال من الجهة الجنوبية ولو عزت إليه بالتصدى للفرنسيين في السودان الجنوبى".

ورغم ما يبدو لأول وهلة من معقولية القصة انطلاقًا من مبدأ "عدو العدو صديق" فإنه يبقى صعوبة تصديق ن يقوم المصريون بإمداد الأنصار بالذخيرة والمال بينما تقوم قواتهم بمحاربة هؤلاء في الشمال، كما يصعب تصور أن ينصرف رجال التعايشى عن مواجهة الخطر المحدق القادم من مصر، خاصة وأن أخبار هذا الاتصال قد تواكبت مع موقعة العطبرة التي لقى فيها الدراويش أكبر انكساراتهم، إلى مواجهة الخطر البعيد المتقدم من الجنوب إلى أحد أطراف هذه الدولة، الأمر الذى يدعونا إلى أخذ هذه القصة الأهرامية بحذر شديد!

انشغلت الجريدة بعد ذلك، ومعها بقية المصريين بأخبار الحملة والتي عبرت عن موقفها المعادى من "مشاطرة الإنكليز" فيها حتى الواقعة التي أنهت من الناحية الفعلية وجود الدولة المهدية واقعة أم درمان في 2 سبتمبر عام 1898، ليفرض م كن يحدث في فاشودة نفسه، ليس على الأهرام فحسب، بل على الدوائر السياسية في القاهرة وسائر العواصم الأوروبية.

فبعد خمسة أيام من الواقعة كانت تدخل مياه الخرطوم السفينة التوفيقية، قادمة من الجنوب تحمل عددًا من الأنصار وتحمل معهم أنباء سيئة، فقد وجدوا في فاشودة "جيشًا تشبه رايته الراية الفرنسوية"، وأنه قاتل الدراويش الذين كانوا مرابطين هناك فقتل منهم مئة وأكره "الباقين على ركوب جناح النعامة في الهروب"، وبدلا من أن يجد ربان السفينة أتباع الخليفة في انتظاره استقبله رجال السردار الذين قاموا باستجوابه، وتأكد كتشنر عندئذ أن الإشاعات تحولت إلى حقيقة، وبدأ فورًا بالتقدم "بقوة معتبرة" تنفيًذا لتعليمات القاهرة متجهًا صوب نقطة الوجود الفرنسي وعلم العالم كله، ومعه الأهرام، بأن الموقف يوشك أن ينفجر، الأمر دعا بشارة تقلا، وكان الصحفى المصرى الوحدي الذى فعلها.. دعاه إلى البدء برحلته، وموافاة الصحيفة بالتقارير الوافية.

فيما نعتقد أن تلك الرحلة الصحفية قد أعطت ميزة للأهرام في التعامل مع الأزمة الشهيرة عن سائر الصحف، ففضلا عن أخبار وكالات الأنباء وكتابات الصحف الفرنسية والإنجليزية، خاصة الطان والتايمز، وهو ما استعانت به سائر الحف، فإن جريدتنا تميزت بما قام به مديرها من تقديم خفايا وأراء لم تتح بنفس الدرجة للصحف الأخرى.

قضى الرجل في العاصمة الفرنسية نحو 20 يومًا، من 12 سبتمبر إلى 2 أكتوبر، عبر خلالها القنال الإنجليز متوجهًا إلى لندن التي بقى فيها لأسبوع أبلغ صحيفته في آخرها "أبرح اليوم عاصمة إنكلترا عائدًا إلى باريس بعد أن صرفت أسبوعًا بحثت في غضونه عن أحوال سياستها".

 ومنذ البداية كان الانحياز الأهرامى للموقف الفرنسي ظاهرًا، فبينما تعرض ما نقلته من أخبار وآراء عن الصحف الإنجليزية لانتقادات شديدة فقد تناولت ما نقلته عن الصحف الفرنسية بتعاطف ظاهر!

الانحياز (ضد) يبدو من قولها: "لا داعى للحيرة في السياسة الإنكليزية تجاه فشودة وأوجب للضحك والقهقهة الشديدة من قيام الجرائد الإنكليزية إلى اتخاذ مصر في المسألة السودانية سيفًا تضرب به خدمة لمصلحة حكومتها الخصوصية وجعل سيادة الدولة العلية على مصر ذريعة لقضاء اللبانات الإنكليزية"!

زاد "تقلا باشا" هذه النظرة تأكيدًا بما جاء في آخر تقاريره عن رحلته إلى لندن من أن "نظام سير الرأي العام فيما على ما تريده الحكومة وترغبه فإن جرائدها آلة لأغراضها لا تقول إلا ما يوافق رغائب الحكومة ومصلحة الأمن والوطن"!

الانحياز (مع) بدا في تبنى الأهرام لوجهة نظر الصحف الفرنسية التي انتقدت الادعاءات الإنجليزية بأن "مصر للمصريين وفشودة للسودان والسودان لمصر" واشترطت لقبولها أن تكون مصر "حرة غير مغلوبة اليدين وألا تكون آلة في قبضة الإنكليز وبقرة حلوبًا لهم وأن يخرج الإنكليز منها" وبدا أيضًا في تبنيها رأى الطان فيما أسمته صخب التايمز ولغطها في مسألة فاشودة التي تبدت في "الأغنية الغريبة والألعوبة العجيبة التي لا تستحى أداب السياسة الإنكليزية من اللعب بها باليمين وحفر حفرة تحتها باليسار لتطمرها فيها بعد قضاء لباناتها"!

تجسدت هذه الانحيازات أيضًا في المعركة التي خاضتها الأهرام ضد المقطم، الجريدة الاحتلالية، فقد صورت الأخيرة الموقف وكأن السردار "ذاهب إلى فشودة وهو مسلح بمثل أظافره فإذا أدرك الفرنسويين انشبها فيهم وعاد بهم فرائس هامدة"، ولما خيبت تطورات الأحداث ظن أصحاب المقطم كتبت الأهرام تعرب عن شماتتها فيهم بقولها أنهم "ما لبثوا أن فتحوا عيونهم ورأوا الحقيقة ألا وهى خيبة فلسفتهم".

بيد أن تطورات الأحداث هي ذاتها أيضًا التي انتهت بخسارة كل ما راهنت عليه الأهرام..

فقد راهنت الجريدة على أن الموقف الفرنسي الساعى إلى إعادة الحياة إلى المسألة المصرية، وإحراج بريطانيا لإنهاء احتلالها للبلاد سوف يحقق أهدافه، ولم يكن الرهان أهراميًا فقط، بل كان رهانًا وطنيًا.

عبر عن تلك الحقيقة الزعيم المصرى مصطفى كامل في مقال له نشرته المؤيد وكان مما جاء فيه "الذى يجب أن يلتفت إليه المصرى ويعتبر به هو أن فرنسا تدافع عن شرف رايتها وانكلترا تدافع عن أطماعها وحكومة مصر الأسيفة تسأل إنكلترا أن ترد إليها السودان كله أي أن تطرد فرنسا من فشودة.

وقد صنع هذا الرهان موقف الصحيفة بامتداد الأزمة، وفى جو مفعم بالآمال، وتقديم الحجج إثباتًا لصواب العمل الفرنسي وتفنيدًا لسياسات الجانب البريطاني..

انطلاقًا من ذلك الرهان استمر القائمون على تحرير الأهرام يغلبون احتمالات الحوار السياسى على الصدام العسكرى الذى بدا وشيكًا خلال بعض مراحل الأزمة، فقد حذرت من أن الأزمة التي تبادر بالصدام "تتحمل أكبر تبعة تجاه الإنسانية. لذلك فنحن على تمام ثقة بأنه لا يخشى من الطرفين أم من هذا القبيل".

أكد ذلك بشارة تقلا في رسائله التي بعث بها من باريس والتي جاء في أحدها أن "المسألة لا بد أن تنتهى إما بالمخابرات السياسية أو التحكيم لما أن عقلاء الدولتين لا يرون فيها إلى امتشاق الحسام وإصلاء نيران القتال سبيلا"!

دلفت من ذلك الاستبعاد إلى تقديم تصورها للحل البديل.. الحل السياسى ونسوق كلمات بشارة تقلا في رسالته التي بعث بها من باريس في 13 سبتمبر مقدمًا هذا التصور.. جاء فيها:

"اعتقادنا أن فرنسا ما صبرت في مسألة مصر إلا لثقتها بأن السودان سيفضى إلى حل هذه المسألة فإن إنكلترا بسلخها السودان عن مصر دفعت فرنسا إلى احتلال الأماكن النائية المهجورة فكان حكمها في بحر الغزال وفشودة حكم إنكلترا في مصر إلى الخرطوم فإذا قالت إنكلترا أن فشودة ملك مصر وأنا أساعدها على تنظيم حكومة فيها ثم انجلى عنها أجابتها فرنسا بمثل ذلك وأدى اشتراك الأيدى في أراضى مصر إلى عرض المسألة على المؤتمر الدولى السلمى الذى لابد من انعقاده وإذا أبت إنكلترا ذلك كانت هي الخاسرة دون سواها لأن احتلال فرنسا لتلك الأنحاء يحول تمامًا دون إنفاذ مشروعها في أفريقية.. وعليه فإن غاية ما نرجوه أن يترتب على الموقف ما نأمله لمصر من الخير وبقاء مصالحها مصونة محفوظة".

بيد أن تطورات الأحداث أفضت إلى خسارة الرهان فيما فصلته الأهرام..

***

ما اعتقدته دوائر حكومة باريس ن وجود مارشان في فاشودة سوف يجرجر لندن إلى مائدة المفاوضات تصورًا منها أن حكومة جلالة الملكة ستحجم عن خوض غمار حرب من أجل هذه البقعة الإفريقية النائية ثبت خطله، فالقضية كانت أكبر من فاشودة..

فالاحتلال الفرنسي لهذه البقعة كان يعنى من ناحية تهديد الوجود البريطاني في مصر بما يترتب عليه من مخاطر على المواصلات الإمبراطورية (قناة السويس)، وكان يؤدى من ناحية أخرى إلى إفشال المشروع الإمبريالى الكبير في أفريقيا.. مشروع القاهرة - الكاب الذى علق عليه رجال الإمبراطورية أمالا كبيرة، وكانت لندن مستعدة في سبيل منع ذلك للذهاب إلى ساحة القتال، وهو ما بدا بشكل ظاهر في المفاوضات المحمومة التي كانت تجرى في العاصمتين الغربيتين الكبيرتين والتي انتهت بتوجيه إنذار بريطاني للحكومة الفرنسية.

تروى الأهرام قصة الإنذار فتقول أن السفير الإنجليزى اجتمع بوزير خارجية فرنسا فأظهر له شدة الخطر الذى ينشأ عن استمرار ذات البين وألح عليه أن يعده وعدًا جميلا فأباه الوزير عليه فوقف السفير عند ذلك وقد احمرت عليناه وظهر الغضب على وجهه فتناول قبعته علامة الانصراف وقال للوزير "إذن فنحن على أبواب الحرب فاضطرب الوزير الفرنسوى لهذه اللفظة وخاف أن تسوء العاقبة.".

وبينما نتحفظ على قبول الرواية على هذا النحو، فديبلوماسية القرن التاسع عشر كانت قد ابتدعت أسليب أخرى لوجيه الإنذارات، إلا أن التهديد بالحرب قد حدث فعلا، واكبته ظروف دفعت حكومة باريس إلى النكوص عن مخططاتها..

من هذه الظروف الأزمة الداخلية التي تزامنت مع الحادثة والمعروفة بأزمة دريفوس الضابط اليهودى في الجيش الفرنسي والذى اتهم ببيع بعض الأسرار للألمان، ورغم إدانته فقد ثبتت براءته فيما بعد الامر الذى فجر قضية معادة السامية وانقسمت فرنسا معسكرين حيالها.. الجمهوريين والاشتراكيين على جانب والملكيين والعسكريين على الجانب الآخر.

منها أيضًا العلاقة مع روسيا التي كان يحكمها وقتئذ الاتفاق الثنائى المعقود بين الدولتين قبل أربع سنوات، وكان موجهًا بالأساس ضد التهديد الألماني، وتصور الفرنسيون أنه يمكن أن ينسحب على الأزمة الراهنة مع إنجلترا، غير أن الروس نصحوا حكومة باريس بألا تسمح بتطور الأزمة إلى حد القتال، وقد فهم الفرنسيون الرسالة!

يثير الاهتمام أن الأهرام قد حرصت بامتداد الأزمة على التأكيد على نفى أثر الأزمة الأولى من الموقف الفرنسي من الأزمة، كذا على إشاعة أن حكومة سان بطرسبرج تقف موقف المؤيد من الوجود الفرنسي في فاشودة.

بالنسبة لقضية دريفوس نفت الأهرام أن "تغل أيدى فرنسا عن كل اهتمام بأمر لا يكون موجهًا إلى هذه المسألة" واعتبر أن ما يقال في هذا الشأن من قبيل "القصور العالية من الأوهام التي يبنيها خصوم فرنسا" ولسبب بسيط وهو أن "مسألة دريفوس مسألة داخلية والمشتغلون بها من رجال فرنسا رجال لا يد لهم في المسائل الخارجية الاستعمارية".

فيما يتصل بروسيا فقد سعت الأهرام إلى الترويج إلى أنها "على اتفاق تام مع فرنسا إلى مسألة فشودة" والسبب في ذلك فيما ارتأته "اعتقادها أن إنكلترا عدوتها التقليدية وأن ما تراه منها في الشرقين القريب والبعيد يبرهن لها على أن رجال بريطانيا ثارت ثائرتها لما تم من اتفاق بينها وبين فرنسا".

بيد أن الأحداث أثبتت أن ما ساقته الأهرام في هذا الشأن كان محض آمل، وهى الآمال التي تبددت مع ورود الأخبار بصدور الأوامر لمارشان بشد الرحال عن فاشودة مما أوقع الارتباك في صفوف الدوائر الوطنية وفى موقف الأهرام معها..

رأى مكاتب الجريدة في العاصمة أنه "لابد من سبب عظيم حمل الحكومة الفرنسوية على الرضى بحكم الزمان والقبول بطلب الإنكليز".

تكهنت بعد ذلك بهذا السبب فيما جاء في قولها أن سكوت فرنسا أقطع دليل على صحة وجود الخطر وقد أثبتنا أن هذا الخطر غير متأت عن محاربة الإنكليز بحرًا لأن فرنسا كانت أول متأهبة للدفاع عن شرف رايتها وأول مستعدة لصد القوة بالقوة بل الذى نتوهمه أن سببًا آخر انضم إلى هذا السبب وعززه كأن تكون هناك حركة من جهة ألمانيا أو نزعة إلى مساعدة الإنكليز بحرًا من جهة إيطاليا أو ما يماثل هذه الأحوال التي تختل معها موازنة الحرب يصبح معه الدخول في الحرب عمن الخرق في الرأي".

بيد أن هذه التكهنات التي قامت على البحث عن مبررات الانسحاب الدرامى لفرنسا من الأزمة لم تمنع المصريين من التنبؤ بما يمكن أن يستتبع ذلك من آثار على المسألة المصرية، وهى تنبؤات استمرت مفعمة بأسباب التفاؤل!

عبرت الأهرام عن ذلك بقولها أن "فرنسا ستكون بعد الآن مدفوعة إلى مناضلة إنكلترا عندما يتسنى لها ذلك بالطرق السلمية أو غير السلمية بعاملين كبيرين.. أحدهما أهمية المصالح الفرنسوية في القطر المصرى والآخر وجوب الانتقام عن الوصمة التي لحقت بها على أثر خروج جنودهما الباسلين من بلدة سعوا إليها ثلاثين شهرًا يطوون القفار ويجتازون البحار والأنهار يفعلون ما لا يصف التاريخ مثله من الأعمال الجليلة"!

بيد أن السنوات الست التالية أثبتت أنه لم يكن لهذا التفاؤل ما يبرره ففاشودة كانت نقطة البداية في تحول جذرى في العلاقات بين الحكومتين الفرنسية والبريطانية من التنافس إلى التعاون في الميدان الاستعمارى، وكانت مصر أولى ضحاياه!


صورة من المقال: