ads

Bookmark and Share

الأحد، 22 نوفمبر 2020

072 جناب مفتش الرى

 جناب مفتش الرى

بقلم: د. يونان لبيب رزق

الأهرام الخميس 8 ديسمبر 1994م - 5 رجب 1415هـ


وليم ويلكوكس، وليم جارستين، جوستين روس، هانبرى براون، ر. فورست، وفوستر، أسماء قد لا يعلم الثيرون عنها شيئًا ولكنهم كانوا الحكام الحقيقيين لمصر، خلال سنى الاحتلال الأولى، حتى خلفتهم أجيال أخرى من تلك الشخصيات المجهولة المعلومة!

شكل هؤلاء الجيل الأول من أصحاب منصب ابتدع في البلاد مع فرض الهيمنة البريطانية عليها، ويرى لنا أحد هؤلاء قصة ابتداع هذا المنصب والهدف من وراء ابتداعه..

الرواية لمستر وليم ويلكوكس Will Cocks، والذى حصل على لقب السير بعد ذلك، وحل الرواية في الكتاب الذى عنوانه ستين عامًا في الشرق "Sixty Years in The East" والذى خصص فيه فصلين عن تجربته في مصر والتي استمرت لنحو خمسة عشر عامًا (1883 - 1897)، روى فيها قصة أصحاب هذا المنصب من الداخل، وكان أحدهم!

المنصب هو "جناب مفتش الرى" كما كان الأهرام يحرص على تسميته، وصاحب الفكرة في انشائه هو السير كولن سكوت مونكريف Moncrieff الذى تولى وكالة وزارة الأشغال منذ الشهور الأولى من الاحتلال الانجليزى للبلد، وإن كنا نعتقد أن الفكرة كانت أكبر من مونكريف وكانت ضمن السياسات العامة التي وضعتها حكومة لندن لإحكام قبضتها على البلاد.

***

فالمعلوم منذ القدم أن في مصر، مجتمع الرى الأول من يمسك بمفاتيح النيل والترع المتفرعة منه يمسك بحياة المصريين ويتحكم في أرزاقهم وهى حقيقة كان يدركها كل من يرغب في السيطرة على البلاد، وكان يدركها بالضرورة المحتلون الجدد.

سجل السير ويلكوكس ذلك فيما ذكره من أن نوبار باشا رئيس النظار المصرى وقت ظهور هذا المنصب كثيرًا ما كان يردد قوله أن "المسألة المصرية هي مسألة الرى The Egyptian question is the irrigation question".

سجل أيضًا أن أول دفعة من مفتشى الرى الانجليزى قد تم استدعاؤهم من الهند، بحكم ما اكتسبه هؤلاء من خبرة في تلك البلاد في أعمال الرى النهرى، وكان أغلبهم من العسكريين.. روس كان يحمل رتبة الكولونيل وفورست وبراون كانا يحملان رتبة الميجور.

سجل ثالثًا أن عمل "مفتش الرى" لم ينصرف فحسب إلى أعمال الرى، بل انصرف أيضًا إلى اثبات الوجود الانجليزى في كل فج في الريف المصرى بالحصان الذى يمتطيه وبالقبعة التي يرتديها أو الدهبية التي يتنقل بها، ويشير ويلكوكس في هذا الصدد إلى حقيقة طريفة وهى أنه قد مضى عامين من فترة خدمته في مصر يعيش هو وأسرته في احدى تلك الدهبيات!

هذا بعض مما رواه مفتش الرى الانجليزى الشهير عن تجربته وتجربة زملائه، ولكن الأهم ما رواه الأهرام.

الإمساك بتوزيع مياه الرى كان أقوى الأدوات في أيدى "جناب مفتش الرى" لتحقيق السياسة الرامية إلى ترسيخ فكرة أن الوجود البريطاني هو الممسك الحقيقى بأرزاق الزارع المصرى.

ولقد درج الأهرام على نشر خبر معين كان يجئ أحيانًا بنفس الصيغة وكان يجئ أحيانًا بصيغ مختلفة ولكن بنفس المضمون نختار منها الخبر المنشور يوم 16 يوليو عام 1889 من مكاتبه في المنصورة.. قال:

"وردت إفادة من جناب مفتش رى القسم الأول يرجو مديرنا الهمام بإعلان المزارعين للقيام برى مزروعاتهم باذلين بذلك قصارى الهمة حيث النيل المبارك بدأ بسرعة الازدياد الذى ربما يلجأ إلى اقفال ترع النيل الشرقى وإزالة السدود فجأة ويحصل تضرر من ذلك فأجاب جناب المفتش بأن لا مانع من اعلان الأهالى عن ذلك متى وصلت المياه لغاية الترع والجداول للوصول إلى إيصال المياه للشاكين وبذلك تتضاعف تشكرات الأهالى وترفع الوية الثناء على سعادة مديرنا وعلى جناب مفتش الرى فهما باتحادهما في الرأي تمكنا من ايفاء المزروعات حقها من المياه".

ولم يكن يغيب على فطنة قارئ الخبر ومثله مما استمرت الصحيفة تنشره أن في مثل هذا الأمر الحيوى لم يعد "المدير الهمام" وحده مصدر اتخاذ القرار، انما كان على جانبه وربما قبله، "جناب المفتش" الانجليزى.

وكانت تتبدى هذه الأهمية بشكل أجلى عندما يحدث اختلاف بيم جناب المفتش وبين سائر السلطات المحلية، ويصادفنا على صفحات الأهرام هنا ما يمكن أن نسميه "معركة البحيرة" وهى المعركة التي استمرت لأكثر من ثلاث شهور من أوائل نوفمبر إلى منتصف مايو عام 1888.

كان طرفا المعركة "جناب مفتش الرى المستر فوستر" Foster وعدد من كبار ملاك الأراضى في المديرية والذين حظوا بمؤازرة الأهرام على نحو تؤكده متابعة أحداق تلك المعركة.

***

النذر بدت في أوائل فبراير حين نشرت الصحيفة خبر ًا جاء فيه "لقد كثرت الشكوى من مديرية البحيرة ونشرت جريدتنا رسائل في هذا المعنى وما ننكر أن المستر مونكريف اهتم بتشغيل ترعة الخطاطبة ولكن عرفنا أن الآلات كلها غير شغالة فازدادت الحالة ضنكًا وهلكت زراعة البرسيم أو كادت".

بعد نحو عشر أيام تصاعدت حدة المعركة درجة حين انتقل الأهرام من التلميح إلى التصريح وأنه رغم تقديم العرائض من الأهالى واعتراف رجال الرى، يقصد المستر فوستر، بإصابة الشكوى، وزيادة المياه إلا أنه "لم تأت الزيادة بالفائدة المقصودة"، وانتهى المقال بنوع من المناشدة حملت في طياتها قدرًا كبيرأ من نغمة الاحتجاج وربما الاحتداد.. "هلا نظرتم أيها المهندسون المنوط بكم أمر الرى لهذه المسألة.. ان فعلتم كان لكم وافر الشكر"!!

يوم 31 مارس أعلن المفتش الحرب فيما نشره الأهرام من أنه أصدر "اعلانًا مهمًا لم نتعود أن نرى نظيره ولا ندرى كيف تم إصداره أو كيف تجيز له الحكومة مثل هذا الاستبداد فإن بعد أن قال فيه بمناوبة الرى كل أسبوع أي أن كل وابور يأخذ الماء على مدى ثمانية أيام ثم يقفل ثمانية أيام قال أيضًا "ومن يخالف هذا النص يؤخذ وابوره ويعطل ثم تسد الترعة عقابًا له"!

أعيان البحيرة أعلنوا بدورهم الحرب على "جناب المفتش فوستر مفتش القسم الثالث" فقد أدركوا منذ البداية أنهم المعنيون بقراره، فهم "أصحاب البوابير" وليس صغار المزارعين، الأمر الذى دعاهم إلى عقد جمعية في دمنهور نادوا فيها "باستبداد إعلان المفتش وظلمه وأرسلوا عرائض تلغرافية إلى سمو الخديوى".

في تلك الأثناء تحركت السلطات في القاهرة فانتقل إلى المديرية "سعادتلو عبد الرحمن باشا رشدى ناظر الأشغال العمومية بصحبة الكولونيل روس مفتش عموم الرى"، في نفس الوقت لجأ رئيس النظار إلى تهدئة أعيان المديرية بألا "تدخل السواقى والوابورات بالبحيرة في حكم المناوبة الآن"، ولم يكن القرار شافيًا للأعيان، فهو من ناحية أدخل السواقى التي لم تكن مطروحة بأى شكل في إعلان "جناب المفتش"، وهو لم يكن نهائيًا بل كان موقوتًا بحكم أنه أنها بـ "الآن"!

وتفاقمت القضية إلى أن انعقد يوم 3 مايو عام 1888 اجتماع على مستوى عال برياسة وزير الداخلية واتخذ قراره الذى جاء موافقًا لإعلان "جناب المفتش" وقد جاء فيه "أن تكون المناوبة سبعة أيام في مديرية البحيرة وللمزارع أن يستخدم الوابور السبعة أيام بتمامها وقسموا ترعة الخطاطبة إلى قسمين.. قسم يتصل سبعة أيام وقسم يستعمل سبعة أخرى بعدها"!

دعا ذلك الأهرام إلى أن تعبر عن خيبة أملها الشديدة التي ارتأت أن "النوبة لا يقصد منها إلا مساواة في الظلم وهو غير جائز في ذمة ولا قانون ولو سار المستر فوستر على خطة من سبقوه لما قرر النوبة وعاند في جوبها معرضًا ألوفًا من العائلات للخسائر الفادحة تنفيذًا لآرائه"!

ويبدو أن مالم يكن تعرفه الجريدة أن المسألة لم تك آنئذ مسألة اقتصاد بقدر ما كانت مسألة سياسية.. مسألة اشعار المصريين في الريف الكبار قبل الصغار أن السلطة هي سلطة "جناب المفتش الانجليزى" وليست سلطة آخر، حتى لو كان هذا الآخر ناظر الأشغال أو ناظر الداخلية أو رئيس النظار نفسه!

ولعل هذه المعركة أو غيرها والتي كانت أقرب إلى رسالة موجهة إلى سائر المصريين العاملين في الزراعة قد أدت إلى تكرر ظاهرة تفشت على صفحات الأهرام ويقينًا على صفحات غيره من الجرائد.. تلك هي ظاهرة "التشكرات" لسرائر مفتشى الرى من جانب هؤلاء ويبدو أنه لم يعد لديهم سواها!

فهذا خبر عن "الأهالى في بنى مزار والفشن الذين يشكرون جناب مفتش رى القسم الرابع لانتباهه إلى توزيع المياه بالعدل والمساواة"، وخبر آخر من الفيوم بأن الأهالى فيها "في غاية السرور من انتظام مصلحة الرى واهتماماها الزائد في توزيع المياه نحو الزراعة حتى أصبحوا يلهجون بالثناء على حضرة المفتش"، وخبر ثالث عن عمد مديريتى الغربية والمنوفية الذين عبروا عن "ألثناء على حشرة المستر ويلكوكس لما بذله من العناية القصوى في تعميم الرى"، وخبر رابع وخامس وعاشر وكلها تصب في نفس الترعة.. ترعة التشكرات لجناب مفتش الرى!

بيد أن الحقيقة التاريخية تقتضى الاعتراف بأن هذه التشكرات كان لها ما يبررها فيما بدا في سائر الأعمال التي قام بها مفتشو الرى.

تطهير الترع وتقوية الجسور كان من بين أولى المهام الموكول الاشراف عليها لجناب مفتش الرى، وقد استمرت هذه المهمة، ورغم تعاقب العصور أهم المسئوليات لأية سلطة مركزية أو محلية فقد كانت تفرضها طبيعة الحركة للنيل المبارك..

حركة الفيضان السنوي التي كانت في جانب منها تهدد بغرق البلاد والعباد مما كان يتطلب سهرًا دائمًا على الجسور خاصة في موسمه، والتي كانت في جانبها الآخر تحمل الغرين ذا الخير الوفير الذى يقدمه بما يضيفه من خصب للأرض الزراعية وذا الخطر الوبيل بحكم ما يمكن أن يسببه من تصلب شرايين الرى نتيجة لترسبه في قاع الترع الأمر الذى كان يقتضى عمليات مستمرة لتطهيرها أقرب لعمليات توسيع الشرايين لمرضى التصلب.

وقد حفل الأهرام بالإشارة إلى هذا الدور الحيوى الذى استمر جناب مفتش الرى يقوم به..

من بينها ذلك الخبر المنشور في 26 نوفمبر عام 1888 وجاء فيه أن جناب مفتش رى القسم الثالث "قدم تقريرًا مطولًا إلى نظارة الأشغال العمومية أظهر فيه مزيد الأهمية لتطهير الترع الصيفية في مديريتى الشرقية والدقهلية في هذه الأيام أي قبل نهاية شهر يناير".

خبر آخر أن بعض مفتشى الرى قد شكوا من إهمال بعض الأهلين في تطهير الترع الخصوصية، مما دعا ناظر الداخلية إلى أن يبعث بمنشور عام إلى المديرين ينبههم إلى ضرورة قيام الأهالى بما يرتأيه المفتشون "لما أن الفائدة من ذلك عائدة عليهم وعلى مزروعاتهم"، وأخبار أخرى كثيرة تدور في نفس الإطار.

***

فيما يتصل بالجسور فلعل استقراء ذلك الخبر الذى نشره الأهرام في 6 سبتمبر عام 1889 يدل على الكثير.. الخبر بعث به مكاتب الصحيفة في المنيا وقد جاء فيه:

"عاد إلينا من أوروبا حضرة مفتش القسم الرابع وذهب مباشرة لتفقد الجسور بهمته المعهودة ثم توجه إلى المحروسة بناء على طلب الكولونيل روس مفتش عام الرى"، ولعل التوجه مباشرة لتفقد الجسور، على حد تعبير الخبر، يقدم الدليل على مدى أهمية هذا الجانب من عمل مفتش الرى، خاصة خلال تلك الفترة التي تعرف الفيضان، وهى الفترة التي وصل فيها المفتش إياه من اجازته.

ومن ثم لم يكن غريبًا أن يتبع الأهرام ذلك الخبر بخبر آخر نوه فيه باهتمام حضرة الكولونيل "بأخذ التدابير القوية لتقوية الجسور والترع وتحضير النفقات اللازمة لذلك".

* الحد ما أمكن مما كان يعمد إليه بعض أصحاب الأطيان من أحداث قطوعات في الترع لتوفير لأراضيهم حتى لو تم ذلك على حساب أطيان الآخرين، الأمر الذى كان مثارًا لغضب "جناب مفتش الرى".

وقد تدخل مفتشو الرى في هذه القضية مرتين على الأقل خلال عامي 1889، 1890.

المرة الأولى حين طالبوا بتطبيق عقوبات على الأهلين الذين يقومون "بالتجرؤات على الترع وسائر مجارى المياه وغير ذلك من الأعمال التي يخلون بها بنظام الرى"، مما دعا نظارة الأشغال إلى تكتب لنظارة الحقانية لاعتماد محاضر مهندسى الرى في شكاواهم من هؤلاء.

المرة الثانية حين شكا المفتشون من عدم كفاية قيمة الغرامة المفروضة على المزارعين "الذين يحدثون القطوعات في جسور الترع لأن قيمة هذه الغرامة عشرة قروش على كل من يحدث قطعًا في جسور الترع بقصد إيصال المياه إلى أرضه".

* التقليل على المستطاع من أطيان "الشراقى" أي الأراضى التي لا تصل إليها مياه الرى، وفى كثير من الأوقات، وبعد انحسار الفيضان كان أهالى المديريات يحكمون على نجاح "جناب مفتش الرى" أو فشله من مدى قدرته على الحدى من الشراقى.

ورغم وفرة الأخبار التي تسجل هذا الجانب من مهام المفتشين إلا أن أهمها بدا في انشغال مفتش عام الرى الكولونيل روس بهذا الأمر حتى أنه وضع تقريرًا ضافيًا عنه حصل عليه الأهرام ووصفه بأنه غاية في الصراحة بحث فيه "حضرة الكولونيل عن موجبات الخصب في أرض الصعيد وفيضان مياه النيل في شهر أغسطس وتقسيم المياه في الحال والاستقبال".

ويلاحظ أن كل تلك المهام كانت تنجز من خلال حركة دائبة من جانب مفتش عموم الرى وسائر المفتشين، وأنه كثيرًا ما كانت تلك الجولات تتم بصحبة مفتش أو أكثر، أو برفقة وكيل نظارة الأشغال سكوت مونكريف أو مدير المديرية، وفى بعض الأحيان كان يصاحب هؤلاء في جولاتهم ناظر الأشغال نفسه، وقد ويلكوكس في كتابة السابق الإشارة إليه صورة غاية في الطرافة لأحد هؤلاء، محمد زكى باشا، وكان طاعنًا في السن، وله تصرفات أعجب بها المفتش الانجليزى وسجلها، إلا أنها يقينًا لم تكن لتعجب المصريين!

***

يقودنا ذلك إلى البحث عن هؤلاء.. عن المصريين في تلك المنظومة التي أقامتها سلطات الاحتلال لنظام الرى.

وتشير الأهرام إلى حقيقتين في هذا الشأن، أولاهما: أن وكلاء المفتشين كانوا عمومًا من مهندسى الرى من المصريين باستثناءات قليلة جدًا، وثانيتهما: أنه كان يحدث أحيانًا أن يكون "جناب مفتش الرى" نفسه مصريًا، ونبدأ بتلك الحقيقة الثانية.

فالقسم الخامس من أقسام الرى المصرية الذى كان يشمل مناطق الصعيد العليا كان المفتش عليه بامتداد الثمانينات وحتى مطلع العقد التالى مصريًا يدعى محمد بك أبو السعود، وقد عنى الأهرام عناية خاصة بنشاطات هذا البك.

ويلاحظ من تلك الأخبار أغلب جولاته كانت تتم "قبلى قنا" وفى ظروف غاية في الصعوبة، ولعل ذلك ما دعا جناب المفتشين الإنجليز إلى العزوف عن شغل هذا المنصب.

رغم ذلك يلاحظ أيضًا أن تقارير الرجل التي كان يرفعها إلى مفتش عام الى كانت تدل على كفاءة ملحوظة في إدارة الأعمال المنوطة به، وقد علقت الصحيفة على أحد هذه التقارير بقولها إنه يظهر منه "انتباه مصلحة الرى في هذا العام إلى الدرجة التي ليس بعدها غاية، ولهذا فإننا نؤمل أن تروى أراضى الوجه جميعها".

يلاحظ أخيرًا أن المفتش المصرى قد نجح في تجاوز مشكلة الشراقى التي لازمت رى الحياض في الوجه القبلى، التي كان يسميها الاهرام بالحيضان، الأمر الذى استحق معه تقريظ مفتش عام الرى، وهو تقريظ كان الرجل يستحقه، فجملة الأخبار التي كانت تأتى عنه كانت تشير إلى ذلك، وهى أخبار كان يبعث بها مراسل الصحيفة في قنا، حيث كان مقر التفتيش الذى يشغل رئاسته.. من بينها خبر يقول "يثنى الجميع عندنا على حضرة محمد بك أبو السعود مفتش الرى لما يجريه من الاجتهاد في الأعمال ومراقبة المقاولات"، وخبر آخر: "يثنى العموم عندنا على حضرة مفتش رى القسم الخامس محمد بك أبو السعود حسن تصريفه المياه واجتهاده في منع الغرق"، وأخبار أخرى عديدة.

أما وكلاء المفتشين فالواضح أن ايكال هذه الوظيفة للمصريين قد قصد منه تحميلهم بالمهام التنفيذية التي قد يعجز جناب المفتش الانجليزى عن متابعتها، فضلًا عن اختيارهم من المصريين كان مطلوبًا بحكم حاجة جناب المفتش إلى أحد المهندسين من أبناء البلد يمكن أن يمكن أن يكون واسطة بينه وبين أصحاب الأطيان الذين يتعامل معهم.

مع ذلك فقد برز بعض من هؤلاء ونجحوا بكفاءة ظاهرة في جذب الأضواء التي كان مفروضًا أن يستأثر بها المفتش الانجليزى أشهر وكيل مصري لتفتيش الرى في تلك الفترة، أواخر الثمانينات، وأوائل التسعينات كان المهندس الذى اكتسب شهرة عريضة بعد ذلك.

الرجل اسمه إسماعيل بك سرى وكان "وكيل تفتيش رى القسم الرابع"، أي مناطق الصعيد الأوسط، وكان يرفع بين الحين والآخر تقارير عن أحوال الرى في قسمه لم يملك الأهرام، إلا أن ينشر نصها لما كانت تتسم به من أهمية، ووصل الأمر بأحد هذه التقارير الذى رفعه للكولونيل روس أن "أرسله إلى سعادتلو زكى باشا ناظر الأشغال العمومية فأمر أن ترسل صورة منه إلى المعية السنية وصورة أخرى إلى نظارة الداخلية". ومن ثم لم يكن ثمة غرابة أن يتدرج الرجل في المناصب حتى يصبح من أشهر وزراء الأشغال المصريين بدءًا من عام 1908 ويعزى الفضل كله لبروزه إلى هذا العمل..


صورة من المقال: