ads

Bookmark and Share

الأربعاء، 11 نوفمبر 2020

067 مدينة "القومبانية والفحامين"

 مدينة "القومبانية والفحامين"

بقلم: د. يونان لبيب رزق

الأهرام الخميس 3 نوفمبر 1994م - 29 جمادى الأولى 1415هـ


يوم 25 أبريل عام 1859 وفى مشهد مسرحى وقف المسيو دلسبس في الموقع الذى نشأت عليه بورسعيد بين بعض من الأجانب وجمع من العمال المصريين يعلن مولد المدينة الشهيرة، وانتهى المشهد بأن وجه خطابه إلى الأخيرين قائلًا: "سوف يبدأ كل منكم بمعوله في عمليات الحفر. وأذكروا أنهم بهذا ستجلبون الرخاء لأسركم ولبلادكم. المجد والفخار لأفندينا سعيد باشا، فليعش عمرًا طويلًا"!

عقب ذلك دخلت بورسعيد التاريخ، سواء لما أحاط بعملية بنائها ووجودها ذاته من تقلبات عاصفة كانت ابنة لنفس التقلبات التي عرفتها عملية حفر القناة، أو لما شهدته من أحداث كبرى أثرت في المسيرة السياسية لمصر أيما تأثير، يوم 16 نوفمبر عام 1869 بحفلة افتتاح قناة السويس التي دخلت كتب التاريخ والاجتماع والاقتصاد أيضًا، لما ترتب عليها من تفاقم أزمة الديون، فقد استضاف إسماعيل يومئذ ستة آلاف شخص استحضر لأجلهم خمسمائة طباخ وألف خادم من الايطاليين، من تريستا وجنوة، ومن الفرنسيين من مرسيليا.


ويوم 19 أغسطس عام 1882.. يوم نزول القوات البريطانية إلى المدينة تمهيدًا لاحتلال مصر كلها والذى أعقبه فترة من الهدوء أخذت قسمات بورسعيد خلالها في التشكل، خاصة إبان عقد الثمانينات، الأمر الذى فرض نفسه على سائر المراقبين بمن فيهم الأهرام.

صنع هذه القسمات مجموعة من العوامل..

* نمو بالغ السرعة، وهو نمو يعزى في جانب منه إلى أن المدن الحديثة الولادة غالبًا ما تبلغ معدلات نموها أقصى اتساعها خلال القرن الأول من مولدها، ولم تكن بورسعيد خلال الثمانينات قد بلغت من العمر سوى ثلاثة وعشرين عامًا، مما يعتبر سن الرضاع في تاريخ المدن!

يعزى هذا النمو في جانب آخر إلى ما عرفته تلك الفترة من اتساع المرور في قناة السويس بكل ما خلفه ذلك من زيادة الحاجة إلى عمالة جديدة من المصريين وموظفين إضافيين من الأوربيين على اعتبار أن بورسعيد عندما قامت نشأت أساسًا كميناء ترانزيت لخدمة السفن العابرة للممر المائى الكبير.

يشير الأهرام إلى درجة هذا الاتساع في إحصاء عن عام 1888 جاء فيه أن 1611 سفينة "مرت بالترعة (القناة) السنة الماضية على النور الكهربائى في مقابل 395 سفينة في سنة 87. وأن الوقت اللازم لعبور الترعة قد خفض من معدل 36 ساعة في سنة 86 و 33 ساعة و58 دقيقة سنة 87 حتى بلغ الآن بمعدل 31 ساعة و15 دقيقة".

ويشير في مناسبة أخرى إلى وفرة من يدخل المدينة "من المسافرين الذين يقدمون من الهند وغيرها كبلاد شرقى افريقيا وممالك أوروبا لأن ما من وابور تجارى أو دارعة حربية يكون قاصدًا هاتين الجهتين إلا ويقيم في مدينة بورسعيد ولا شك أن ذلك من أكبر الأسباب التي عملت على تقدم هذه البلدة ونجاحها".

وقد تأكد خلال الثمانينات أن القناة قد تحولت من مجرد مشروع مشكوك في مستقبله لمغامر مالى فرنسى إلى ممر مائى يعنى كل الدول الأمر الذى عبر عن نفسه في سعى تلك الدول على رأسها الدولة المحتلة إلى تأمين هذا الممر، فيما تم التوصل إليه في معاهدة القسطنطينية المشهورة والتي عقدت قبل انتهاء هذا العقد عام 1888 على وجه التحديد.

بدا أيضًا خلال الثمانينات أن بورسعيد في طريقها إلى احتلال المركز الثالث بعد العاصمة والإسكندرية وهو المركز الذى استمرت تساثر به طنطا من قبل، بل بدا أنها في طريقها إلى مزاحمة الإسكندرية نفسها في وقت من الأوقات مما كان مثارًا لانزعاج السكندريين، الأمر الذى عبر عنه الأهرام الذى كان لا يزال حتى ذلك الوقت مقيمًا بالميناء العتيد.

نشرت الجريدة مقالًا طويلًا لها تحت عنوان "الإسكندرية وبورسعيد" في العدد الصادر يوم 2 مارس 1886 جسد هذا الانزعاج..

استهلت الصحيفة مقالها بالإشارة إلى أن "نماء المدن واتساعها ومهاجرة الأغراب إليها" انما يحدث من تحول تجارة المصر التي هي فيه إليها وأنها يستتبع ذلك أن يتنافس أهلها "في تحصيل الأموال وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة وينزعون إلى تخليد الآثار التي لا تقوى على هدمها وتخريبها طوارئ الحدثان"!.

تدلف الأهرام من ذلك إلى القول أن ذلك قد تحقق للإسكندرية "فإنه منذ عهد الاسكندر بانيها إلى الآن لم تزل في مركز مهم بين مدن الأرض كافة تتغير عليها الدول والأحقاب وهى تزيد في الرونق والبهاء.. ذلك أنه لما كانت حاصلات مصر متحولة جميعها إليها توفر نموها بتوفر هذه الحاصلات.. فإن الترف على قدر ثروة أهل المدينة وهذه هي سنة العمران منذ القدم حتى الآن"!

انتقل كاتب المقال، الذى نظن أنه كان سليم تقلا، إلى تقديم الخبر الذى أثار مخاوف السكندريين بأنه "قد تألفت شركة غايتها مد خط حديدى بين الإسماعيلية وبورسعيد وأن المخابرة جارية بين أصحاب هذا المشروع والحكومة بشأن الحصول على رخصة ذلك العمل".


فقد رأى أن بناء هذا الخط سترتب عليه أن تتحول حاصلات القطر المصرى "أو أكثرها إلى بورسعيد فيقصر أمل أهالى الإسكندرية ويضعف اعتبارهم وتتلاشى مكاسبهم فيهجرونها تباعًا وهكذا تأخذ في التناقص والاضمحلال إلى أن يأخذها الفناء.. وهذا جميعه متناقض لمصالح القطر المصرى فإن سنن التمدن وقواعد العمران لا تجوز إلحاق ضرر ما بمدينة رسخ نموها وزاد نماؤها".

ولا يكتفى كاتب المقال بالإشارة إلى المخاطر التي تهدد الإسكندرية من الميناء الجديد بل ينبه إلى الخسارة التي سوف تنزل "بالحكومة السنية" من جراء هذا التحول سواء لأنه "لم يطل العهد على الملايين من الجنيهات التي أنفقت في سبيل انشاء مدينة الإسكندرية" أو لما سوف "يلم بميزانية الحكومة من انتقاص مهم في العوائد المرسومة على المراكب والبضائع في ميناء الإسكندرية" فضلًا عما سيصيب دخول السكة الحديدية من خسارة حيث أن السكك "الممتدة بين الداخلية والإسكندرية ملك الحكومة وأما السكك المنوى امتدادها إلى بورسعيد فتخص شركة أجنبية".

وينهى الأهرام مقاله راجيًا من "الحكومة السنية أعزها الله أن تنظر إلى المسألة بعين التروى والحكمة فهى خطيرة يترتب عليها خراب مدينة الإسكندرية واضمحلالها والعاقل من نظر إلى عواقب الأمور فأحسن عواقبها"!

وبالرغم من أن مخاوف السكندريين التي عبر عنها الأهرام لم تتحقق إلا أنها كانت تكشف عن الشعور بذلك النمو المتسارع للمدينة الوليدة، ثم أن المخاوف تحققت بالنسبة لميناء آخر قديم، وكان ميناء السويس الرابض على الطرف الجنوبى من القناة.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على المقال الذى عبرت فيه الجريدة عن قلقها على الإسكندرية، وفى 11 مايو عام 1889 نقلت تقريرًا طويلًا وضعه القنصل البريطاني في بورسعيد، المستر بوريل، تحدث فيه عما أصاب الأخيرة من نمو وازدهار "بعكس السويس الآخذة في التقهقر والانحطاط يومًا عن يوم وإن سكان بورسعيد البالغ عددهم الآن 25 ألف نسمة يزدادون والأشغال موجودة فيها بكثرة بالنظر إلى الإصلاحات الجارية في ترعة السويس وإلى ضرورة تموين السفن التي تمر فيها بالفحومات وغيرها وأن كمية الفحم التي وردت إليها في السنة الماضية زادت عن مثيلها في السنة التي سبقتها بمقدار 160 ألف طن تقريبًا وأنه جار فيها بيوت جديدة كثيرة".

بالمقابل وبالنسبة للميناء القديم يقول صاحب التقرير الذى نشره الأهرام: "أما سكان السويس البالغون الآن 12500 نسمة فلم يزدادوا في سنة 1888 بل أن كثيرين من الوطنيين فيها يستعدون للرحيل منه إلى داخلية البلاد لأنهم لا يجدون فهيا ما يشتغلون به ويقتاتون منه ولا سيما وأن القسم الأعظم من السفن لا يقف في مينائها".

بيد أن هذ النمو المتسارع كان له ثمنه.

***

عملية التحديث التي شهدته المدن المصرية بدءًا من النصف الثانى من القرن التاسع عشر والتي تتالت خطاها خلال ما بعد الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882 عرفت أكثر من ظاهرة.

ظاهرة الامتدادات العمرانية الجديدة خارج نطاق أسوار المدن القديمة، بحيث أصبحت في النهاية كل مدينة مدينتان.. المدينة القديمة المسورة التي تنتمى للعصور الوسطى، والمدينة الجديدة التي لا تحدها الأسوار والتي عاش فيها في العادة طبقات اجتماعية جديدة من قطاعات الرأسمالية الناشئة والتي عرفت بالبرجوازية والتي كانت تعنى في الأصل سكان الضواحى، وهذه الظاهرة على أي الأحوال ابنة للنقلة من العصر الاقطاعى للعصر الرأسمالى، عرفتها أوروبا قبل أن تعرفها مصر.

غير أن هذه الظاهرة أصابها التشوه في مصر نتيجة لما واكبها من أن تلك الامتدادات قد جرت في العادة لحساب الأوربيين في البلاد والذين ازداد عددهم على نحو واضح في عصر إسماعيل، وتضخم بشكل كبير في عهد الاحتلال.

من ثم لم يكن غريبًا أن يقترن ظهور أحياء مثل الزمالك وجاردن سيتى والمعادى في القاهرة أو الرمل في الإسكندرية بسكنى الأوروبيين. انجليز وفرنسيين وايطاليين وألمان ويونانيين.

غير أن هذا التشوه كان غائرًا بالنسبة لبورسعيد، ولأسباب عدة.. منها أنه لم يكن هناك في الأصل أحياء قديمة تأتى الأحياء الجديدة امتدادًا لها، ومن ثم، ومنذ اللحظة الأولى لظهور المدينة جاء الفصل بين مناطق سكنى الوطنيين ومناطق سكنى الأجانب كجزء من بنية المدينة، ومن ثم جاء شديد الحدة!

منها أيضًا أن نشأة المدينة المرتبطة بالقناة قد جعل لسكانها جميعًا مع هذه النشأة صلة بالعمل في شأن من شئونها، وبينما كان الأوروبيون، وفى مقدمتهم الفرنسيون، يتولون إدارة هذا المرفق وبالتالي يحتلون كافة مناصبه الهامة، فقد كان على الوطنيين أن يكتفوا بأعماله الشاقة ويحصلوا على الفتات.

أضفى هذا الواقع على نسأة المدينة ظاهرة مأسوية في الفصل بين رجال الشركة أو "القومبانية" كما كانت تسمى وقتذاك، وبين المصريين الذين اشتغل القسم الأكبر منهم في أعمال تموين السفن بالفحم مما دعا إلى تسميتهم بالفحامين، وكان الانتقال من القسم الذى تقطنه إحدى المجموعتين في المدينة إلى القسم الآخر أقرب إلى الانتقال من مدينة إل مدينة، بل ولا نبالغ إذ قلنا من قارة إل قارة!

القسم الأول من بورسعيد والذى عرف بالمدينة والذى أطلق عليه بعدئذ حى الافرنج، أقيم غرب القناة مباشرة يحده من الشمال البحر المتوسط وتقع به المحلات التجارية والفنادق والتي كان يتملكها ويديرها الأجانب، فضلًا عن المؤسسات الحكومية والتي كانت محدودة للغاية في البداية.

نشير في هذا الصدد إلى قصة طريفة متعلقة بمقر المحافظة، أو ما كان يسمى بالديوان، فإنه عندما أنشئ هذا الديوان قامت "القومبانية" بتأجير أحد بيوتها للحكومة ليصبح مقرًا له، ثم نقل الديوان بعد ذلك إلى بيت آخر بعد شرائه من الشركة، وكان موقعه في وسط المدينة، وفى البداية تم تأسيسه بمفروشات أخذت من الشركة على سبيل الإعارة!

القسم الثانى وكان يسمى "قرية العرب" وقد أقيم إلى الغرب من المدينة حيث أقام المصريون أماكن سكناهم ومحالهم والتي كانت في البداية مجرد عشش فقيرة، وكانت قابلة للاشتعال مما أدى إلى حدوث أكثر من حريق فيها مما ساعد على إعادة بنائها بمواد البناء والخشب، ولم تكن بالطبع بشكل مبانى المدينة!

ولما كان أغلب أبناء ما أسمى "بقرية العرب" قد وفدوا إليها من البلاد المتاخمة، دمياط والمنزلة، فقد ترتب على ذلك ولفترة غير قصيرة أن تحولت أغلب مساكنها إلى مأوى للرجال الذين تركوا أسرهم في مواطنهم وأخذوا في التردد عليهم كلما واتت الفرصة.

لعل ذلك الخبر الذى ساقه الأهرام يوم 29 أبريل عام 1886 يشى بما كان للمواصلات بين دمياط وبورسعيد من أهمية بالغة.. قال الخبر:

"تقرر تسيير وابورات بحرية صغيرة بين دمياط وبورسعيد لنقل البوسطة والركاب بطريق البحيرة وقد عارضت مصلحة المطرية كثيرًا في هذا الأمر بقولها أن ذلك يسبب نفور السمك بالبحيرة فيقل دخل المصلحة، فنبذت هذه المعارضة" وكان لابد أن تنبذ، فمصلحة البشر الراغبين في وسيلة اتصال فعالة مع مواطنهم كانت أهم من مصلحة السمك!

***

مما كان ينشره الأهرام لمكاتبه العمومى في بورسعيد يتأكد ذلك الطابع الترفى "للمدينة" في مقابل الأحوال البائسة لقرية العرب.

نظام البناء بالبواكى في المدينة كان محل أخبار متتابعة في الجريدة، ففي خبر في 4 يوليو 1888 أن وزارة الأشغال صرحت لأهالى بورسعيد بإقامة بواكى أمام منازلهم، وحددت طولها تبعًا لعرض الشارع لم تلبث أن ألحقته بخبر آخر بعد شهور قليلة مفاده إن إجازة بناء البوكى مقصورة على شوارع معلومة، ولم يكن أي منها بالطبع في قرية العرب كما تؤكد أسماؤها.. شارع المينا، شارع مونج، شارع السيركل، شارع الليهورد، شارع الديفيزيون وأخيرًا شارع أوجيتييه.

تنوير المدينة بالغاز كان بدوره محل اهتمام ظاهر من جانب المسئولين بالمحافظة، ووصل الأمر إلى أن طالب المحافظ نظارة الأشغال "أن تصرح لحضرته بتنوير البلدة بنور الغاز حتى الصباح وذلك لأن تنويرها مدة تسع ساعات كام هو جار الآن لا يفى بالمقصود ولا سيما في ليالى الشتاء وتجتهد نظارة الأشغال الآن في اتخاذ الوسائل اللازمة لإجابة سؤاله، إلا أنه لما كانت ميزانيتها لا تسمح لها بزيادة النفقات في المدينة المذكورة فستتفق على هذت العمل مع قومبانية القنال على وجه عادل"!

انتشار المدارس في "المدينة" سواء مدارس الإرساليات الدينية أو مدارس الجاليات الأجنبية، فضلًا عن الصاحفة، وكانت بالأساس فرنسية، وهذا طبيعى، ومدافعة عن مشروع القناة وهذا ضرورة، حتى أن إحداها أسماها أصحابها 

"جريدة القناة Le Journal. Canal" يشير إلى قيام مجتمع أوربى متكامل.

ولعل هذا الخبر الذى في عدد الأهرام الصادر يوم 19 مارس عام 1888، والذى بعث به مكاتب الجريدة ف المدينة يؤكد هذه الصورة.. قال:

"في 5 أبريل القادم ستقام ليلة تمثيل في قاعة الألدرادو يخصص ايرادها للمدارس الفرنسوية برئاسة المسيو لابورت قنصل فرنسا وقد أحييت من مدة ليلة مثلها بهمة حضرة المسيو لاوناردوس قنصل اليونان لمدارس هذه التبعة فالأمل من سعادة محافظنا الهمام أن يهتم ف إحياء ليلة برئاسته من هذا القبيل للمدارس الأهلية التي هي في حاجة إلى مثل ذلك ونحث أبناء الوطن في الاقتداء بالفرنسويين في الاقبال على مثل هذه الليلة عضو للعلوم وسعيًا في نشرها"، إلا أن الانتقال إلى الجانب الآخر من بورسعيد.. إلى قرية العرب، يؤكد أن مكاتب الأهرام كان متفائلًا أكثر مما يجب!

نترك للمكاتب نفسه وفى تقرير آخر وصف جانب من أحوال هذه القرية خلال رصده من الافتقار إلى أبسط الاحتياجات أو من اهمال حكومي ظاهر.

يتحدث في جانب من هذا التقرير عن مشكلة أبناء القرية في الحصول على حاجتهم من المياه العذبة والتي كانت "القومبانية" قد وفرتها من خلال بعض الخزانات التي كانت تنقل المياه إليها بحرًا من دمياط وأنبوب يمتد من الإسماعيلية استأثرت المدية بأغلبها بينما لم يتوفر في القرية سوى "حنفيتان عموميتان" لا يقترب منها إلا السقايون المنوط بهم توزيع المياه على الأهالى، وبالأجر، من ثم لم يكن غريبًا قول المكاتب الأهرامى "أن الأهالى ينتظرون بفروغ صبر فتح الترعة الحلوة لإيصال المياه اليهم ريًا لظمئهم ودفعًا لأتعابهم بتحصيل المياه خصوصًا في قرية العرب".

يشير في جانب آخر إلى المستنقعات المنتشرة في القرية "تتصاعد منها الروائح الكريهة التي تفسد الهواء وتجلب الداء وياحبذا لو انتبه لردمها فإن الصحة العمومية هي من أعظم الأسباب الآيلة للتقدم".

ويخلص من كل ذلك إلى الإعراب عن دهشته مما أسماء "عدم الاعتناء الزايد بحالة الوطنيين في بورسعيد فإن البوليس لا يقبل منهم شكوى ولا دعوى وقد رأيت الشكوى متزايدة من هذه الحالة".

ويؤكد المراقبون على أن قرية العرب كانت تنمو بسرعة فائقة وأن عديدًا من الطوائف التي تطلبها نمو المدينة قد أخذت في الانتشار بها.. حمالين، فلايكية، قلافطة، بمبوطية، صيادين، إلا أنه كان في طليعة هؤلاء الفحامون الذى أعارهم الأهرام اهتمامًا واضحًا.

فقد أفادت الصحيفة في أحد أعدادها أن عدد هؤلاء في المدينة ستة آلاف نفر، أي نحو 25% من كل تعدادها وأنهم "يقومون بأشغال الفحم ويتناولون الأجرة المقررة لهم ويوزعونها على الأنفار على حسب ما تقتضيه ذمتهم".

ويبدوا أن هؤلاء الرؤساء الذين كان يلقب كل منهم "بالكوماندا" كثيرًا ما كانوا "يحرمون بعض الأنفار من نصيبهم ولا مجيب لشكواهم"، مما كان يزيد من معاناة هؤلاء.

وكان على أبناء قرية العرب الصبر على هذا الحال لنحو سبعين عامًا أخرى كان مطلوبًا أن تجرى خلالها مياه كثيرة في القناة متجهة إلى بورسعيد فتتأمم قناة السويس عام 1956 وتختفى "القومبانية" ولا يبقى إلا الفحامون، أو أبناؤهم بعد أن اندثرت هذه الحرفة، وتصبح بورسعيد مدينة واحدة لا مدينتين!


صورة من المقال: